أحمد مصطفى المراغي
21
تفسير المراغي
وبعد أن بين سبحانه أنهم قد تكرر منهم نقض العهد - أردف ذلك ذكر ما يجب أن يعاملوا به فقال : ( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ) أي إنك إن تدرك هؤلاء الناقضين لعهدهم وتظفر بهم في الحرب - فنكّل بهم أشد التنكيل حتى يكون ذلك سببا لشرود من وراءهم من الأعداء وتفرقهم ، فيكون مثلهم مثل الإبل الشاردة النادّة عن أمكنتها . وإنما أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالإثخان في هؤلاء الأعداء الذين تكررت مسالمته لهم وتجديده لعهدهم بعد نقضه ، لئلا ينخدع مرة أخرى بكذبهم ، لما جبل عليه من الرحمة وحب السلم واعتبار الحرب ضرورة تترك إذا زال سببها كما قال تعالى : « وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها » وهم قد أوهموه المرة بعد المرة أنهم يرغبون في السلم واعتذروا عن نقضهم العهد وكانوا في ذلك مخادعين . ( لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) أي لعل من خلفهم من الأعداء يذكّرون النكال فيمنعهم ذلك من نقض العهد ومن القتال . روى البخاري ومسلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم خطب في بعض أيامه التي لقى فيها العدو فقال : « أيها الناس لا تمنّوا لقاء العدوّ وسلوا اللّه العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف - ثم قال : اللهم منزّل الكتاب ، ومجرى السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم » . وفي ذلك إيماء إلى شيئين : ( 1 ) إن الحرب ليست محبوبة عند اللّه ولا عند رسوله ، وإنما هي ضرورة يراد بها منع البغي والعدوان وإعلاء كلمة الحق ودحض الباطل : « فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ » . ( 2 ) إن استعمال القسوة مع الناقضين للعهد والبادئين بالحرب والتنكيل بهم لتشريد من ورائهم - أمر لا بد منه للعظة والاعتبار حتى لا يعودوا إلى مثلها هم ولا غيرهم .